الخبير الدولي و الأستاذ بجامعة حلوان و رئيس شعبة الميكانيكا
"المشهد السياسي الحالي في المنطقة يحتاج إلى إعادة ترتيب، على الأقل لفهمه. وفي ظل الأجواء شبه الإيجابية في المفاوضات الجارية بين واشنطن وطهران، وما يتردد عن احتمال أن يتغاضى الرئيس الأمريكي عن ملف صواريخ إيران الباليستية مقابل تجميد الملف النووي، يمكن أن نلاحظ أيضاً أمراً مثيراً للاهتمام، وهو وجود إجماعٍ عربي وخليجي على رفض الضرب، بما يمثل عقبة أمام الولايات المتحدة بشكل عام، وترامب خاصة الذي يرفض توريط واشنطن في حرب إقليمية قد تخرج عن السيطرة إلى ما لا يُحمد عقباه.
المشكلة الرئيسية تكمن في أن ترامب يتبنى أسلوب الإدارة الفردية؛ فهو وحده من يقرر المسار التالي، بعيداً عن كواليس الجنرالات أو نصائح المستشارين التقليديين. هذا الغموض يجعل من الصعب استشراف نواياه التي تتسم بالتقلب المستمر. ولأن السياسة واقع لا يُقاس بالنيات بل بالنتائج، يجد الفاعلون الإقليميون أنفسهم مضطرين للقيام بتحركات "تكتيكية" على الأرض، تهدف بالأساس إلى دفع الإدارة الأمريكية للكشف عن أوراقها، أو على الأقل رسم حدود واضحة لاتجاه بوصلتها في المنطقة.
لذا يشعر رئيس الوزراء الإسرائيلي بعدم الارتياح، وكل يوم يمر مع استمرار التفاوض تتضاءل احتمالية شن هجوم على إيران؛ فهو يريد إنهاء برنامج إيران النووي تماماً وليس تجميده، وتقليص مدى صواريخها إلى 300 كيلومتر فقط، وقطع الدعم عن أذرعها في اليمن ولبنان. ويبدو له أن اتجاه المفاوضات لن يؤدي إلى ما يطمح إليه هو وأركان حكومته اليمينية المتطرفة. وبدون سابق إنذار أصدر المجلس الوزاري الأمني الإسرائيلي قرارات أقل ما توصف بأنها كارثية، تتعلق بتغييرات جذرية في نظام الأراضي والتخطيط والترخيص وإنفاذ القوانين في الضفة الغربية، مما يعزز فعلياً سيطرة إسرائيل على كامل المنطقة وخاصة ما تبقى من الأماكن الإسلامية والمسيحية المقدسة، وهي خطوة أثارت تداعيات سياسية وقانونية ودولية واسعة النطاق.
توقيت القرارات مثير للريبة، إذ جاء قبل ثلاثة أيام من لقائه بترامب في واشنطن، والمقرر أن تسيطر عليه تطورات الملف الإيراني وإمكانية السماح لتل أبيب بالتعامل منفردة لتأمين مخاوفها من النووي والصواريخ الباليستية التي تمتلكها طهران.
نتنياهو يدرك مسبقاً رفض الرئيس الأمريكي شخصياً لأي خطط لضم الضفة الغربية، ويرى أن استقرارها شرط أساسي لأمن إسرائيل، وجزء من طموح الإدارة الأمريكية الشامل للحفاظ على الاستقرار في الشرق الأوسط وإنجاح وتوسيع "الاتفاق الإبراهيمي" ليشمل دولاً خليجية تشترط الاعتراف بدولة فلسطينية. في الوقت نفسه فإن نتنياهو، الذي يجيد لعبة خلط الأوراق، يعلم أن القرارات برغم أنها فعلياً تنهي ما تبقى من حلم الدولة، لكنها رسمياً لا تعني الضم، وهي تعتبر إجراءات إدارية تسهل الاستيلاء على ما تبقى من أراضٍ لصالح إقامة المستوطنات الإسرائيلية. كما أن توقيت إصدارها يؤكد أنها ورقة ضغط تمكنه من الحصول على ما يراه ضرورياً من ضمانات أمريكية لتأمين مخاوفه من إيران، وإذا تحققت يمكن التراجع عن القرارات الكارثية أو تعديلها بمرسوم جديد. وهذه الضمانات يمكن تلخيصها في إمكانية تحرك تل أبيب بصورة منفردة ضد برنامج إيران النووي وقضية صواريخها الباليستية التي تمثل الهاجس الأخطر لإسرائيل.
وفي الوقت الذي تستمر فيه المفاوضات، إلا أن شبح الحرب قائم وبقوة، ويمكن القول إن الجميع يتفاوض ويده على الزناد. وحتى إذا زادت نسبة التفاؤل، فإن الآمال ليست كبيرة في إحدث اختراق يرضي جميع الأطراف، خاصة إسرائيل الرافضة لوصول البرنامج النووي الإيراني لإنتاج قنبلتها النووية الأولى، وهذا هو السبب في إبقاء خيار الحل العسكري مطروحاً وحاضراً لاستكمال ما فشل فيه التفاوض. في ظل تلك الأجواء، فإن المحادثات فعلياً قد تمثل دافعاً جديداً لمواجهة محتدمة بين إسرائيل وأمريكا من جهة، وإيران من جهة أخرى، أكثر منه للتوصل لاتفاق، خاصة إذا وضعنا في الاعتبار شروط تل أبيب التي تمثل مساساً مباشراً بهيبة الدولة والنظام الحاكم في إيران.
في نهاية المطاف، يبدو أن إسرائيل وإيران على أعتاب مرحلة غير مسبوقة من المواجهة الاستراتيجية. فإما أن تنجح مناورة نتنياهو في انتزاع "ضوء أخضر" أمريكي لعمل عسكري يغير قواعد اللعبة، أو أن يصطدم برغبة ترامب في تجنب الحروب الكبرى، مما قد يضع الحكومة الإسرائيلية أمام خيارين أحلاهما مر: القبول باتفاق نووي هش لا يلبي طموحاتها، أو التحرك المنفرد الذي قد يضع علاقتها بالحليف الأمريكي على المحك."